المقال الأول: سلسلة تشريح الوعي
"في هذه السلسلة، نشرح وعيك كما يشرح الجراح عضواً حياً. لا نخاف من الأسئلة الصعبة، ولا نرتاح للإجابات السهلة. كل مقال يكشف طبقة جديدة من ذلك اللغز الذي نحمله بين آذاننا."
تخيل معي مشهداً لا تحبه الأفلام عادةً، لأنه لا يحتوي على انفجارات ولا حوارات درامية.
استيقظت صباحاً. لكن شيئاً مختلفاً. لا ترى سقف غرفتك. لا تسمع همهمة المكيف. لا تشعر بوزن الغطاء على جسدك. لا تشم رائحة القهوة القادمة من المطبخ. ولا حتى طعم اللعاب في فمك.
أنت هنا. لكن كل الموصلات التي تربطك بالعالم الخارجي قد قُطعت.
دع هذا المشهد يثبت في خيالك للحظة. لا تتعجل الخروج منه.
منذ زمن، كنتُ في منتصف الليل، وأنا أقلب في رأسي سؤالاً طفولياً ساذجاً: “من أنا حقاً؟” لكن السؤال تطور في تلك الليلة إلى سؤال أكثر قسوة: “لو اختفى كل ما أراه وأسمعه وألمسه، هل سأختفي أنا أيضاً؟”
هذا السؤال ليس تمريناً فلسفياً بارداً. إنه المفتاح الذي قد يفتح لنا باباً لفهم الوعي بطريقة لم نفكر بها من قبل.
لطالما أخبرنا علم الأعصاب، بثقةٍ تليق بالدين أكثر من العلم، بأن الوعي هو مجرد نتاج لتفاعلات كهربائية معقدة في الدماغ. إنهم يظهرون لنا صوراً ملونة لمناطق الدماغ المتوهجة، ويقولون: “انظروا، هنا يصنع الوعي”.
لكن دعني أسألك سؤالاً صريحاً: هل مشاهدة توهج المصباح الكهربائي تخبرك بشيء عن جوهر الكهرباء نفسها؟
هذه هي المغالطة التي نقع فيها جميعاً. نخلط بين الارتباط والسببية. الدماغ ينشط عندما نفكر، لكن هذا لا يعني أنه يصنع الفكر. إنه يشبه المترجم الفوري. المترجم الفوري يتحرك شفتاه ويصدر أصواتاً، لكنه ليس مصدر المعنى. المعنى كان هناك قبله، في فضاء الترجمة بين اللغتين.
عندما أراك الآن تقرأ هذه الكلمات، ماذا يحدث في داخلك؟
هناك عالم كامل من الأحاسيس والمشاعر والتساؤلات. وهذا العالم لا يحدث في شاشة هاتفك، ولا يحدث بالكامل في مناطق بروكا أو فرنيك في دماغك. إنه يحدث في ذلك الفضاء الغامض بين ما تستقبله حواسك وما تتذكره ذاكرتك وما تتوقعه أفكارك.
وهذا يقودنا إلى السؤال الجوهري: هل الحواس هي نوافذ الوعي إلى العالم، أم أنها جدران الوعي التي تحده؟
في علم الأعصاب الكلاسيكي، يُفترض أن الحواس هي النوافذ. نقطعها، وينطفئ الضوء الداخلي. لكن ماذا لو كانت الحواس هي الجدران التي تحدد شكل الغرفة؟ إذا هدمت جدران الغرفة، لا تختفي الغرفة، بل تصبح مكاناً آخر، شاسعاً ومختلفاً، لكنه لا يزال موجوداً.
هنا تأتي التجربة الفكرية الأكثر جرأة:
تخيل أنك وُلدت دون أي حواس. لا بصر، لا سمع، لا لمس، لا شم، لا ذوق. أنت دماغ صافٍ في حاضنة مظلمة وصامتة. لا ذكريات عن العالم لأنك لم ترَه قط.
هل سيكون لديك وعي ذاتي؟
المختزلون سيقولون: لا، لأن الدماغ يحتاج إلى محفزات لبناء الذات.
لكن ماذا لو كان الدماغ، حتى في تلك العتمة المطلقة، يبدأ في تدوير ذاته؟ ماذا لو كانت الذاكرة، حتى الذاكرة الفارغة، قادرة على توليد أحلام من لا شيء؟ الأحلام التي نراها كل ليلة خير دليل على أن الدماغ لا يحتاج إلى مدخلات خارجية ليخلق عوالم كاملة. الأحلام تثبت أن الوعي يمكن أن يعمل دون حواس مفتوحة على الواقع، دون عيون مفتوحة على الضوء.
إذا كنتَ قد رأيت حلماً ليلة أمس، فأنت تعلم أن حواسك الخمس كانت في سبات عميق، ومع ذلك كان وعيك حياً متدفقاً، يبني عوالم، يتحدث مع أشخاص وهميين، يشعر بمشاعر حقيقية. الحلم هو الدليل البيولوجي الأول على أن الوعي ليس رهينة للحواس.
لكن المعترض سيقول: “الأحلام تعيد تدوير ذكريات اليوم، فهي ليست خلقاً من العدم”.
حسناً، ماذا عن الذاكرة الأولى في طفولتك؟ تلك الذاكرة التي لا تذكر أي شيء قبلها؟ كيف وُلِدَتْ من العدم؟ من أين أتى وعيك الأول لحظة تكوّنه؟
هذا ما يسميه الفلاسفة بـ المشكلة الصعبة للوعي. وكأننا نحاول الإمساك بظلنا بأيدينا. كلما اقتربنا، ابتعد.
لكن في هذه السلسلة من المقالات، لن أقف عند حدود الحيرة. سأقدم لك، في المقالات القادمة، نموذجاً مختلفاً تماماً لفهم الوعي. نموذجاً يقول لك بجرأة:
الوعي ليس شيئاً تمتلكه. الوعي هو احتكاك بين أزمنة مختلفة تتصارع داخلك.
لكن هذا حديث المقال القادم.
اليوم، أريدك أن تبقى مع هذا السؤال فقط، أن تحمله معك في يومك، تهمس به لنفسك حين تشرب قهوتك، وحين تنظر إلى السماء، وحين تغمض عينيك للنوم:
“لو فقدتُ كل حواسي في هذه اللحظة، هل سأظل أشعر بأنني أنا؟”
في المقال القادم ، سنحلّق أبعد: سنتحدث عن الأزمنة التي تشكل وعيك، ولماذا الدماغ مجرد ترجمان، وليس ملكاً.



