نحن لا نسأل عادة هذا السؤال. لا نسأل لأننا نسينا أننا لم نسأله أصلاً. الألفة أخطر حجاب. ما تعودناه يبدو حقيقياً. ما ألفناه يبدو يقيناً. واليقين ليس دليلاً. اليقين مجرد عادة قديمة جداً.
في هذا المقال، لن نسأل:هل نحن موجودون بل سنذهب إلى السؤال الأكثر رعباً: هل الحقيقة خيال أم أن الخيال حقيقة؟ماذا لو كان كل ما نسميه "وجوداً" ليس أكثر من قصة مستمرة، يرويها الدماغ لنفسه في اللحظة نفسها التي يعيش فيها القصة؟
0. تمهيد
في مقال سابق، سألنا سؤالاً بدا للوهلة الأولى مستفزاً: هل نحن موجودون أصلاً؟
انتهينا إلى أن كلمة «أنا» ليست شيئاً مادياً ملموساً. وحين جردنا جملة ديكارت الشهيرة من أثقالها اللغوية، لم يتبقَّ منها إلا أقواس فارغة:
( ) يفكر، إذن ( ) موجود
رأينا أن «الأنا» مجرد موقع نحوي، فجوة تملؤها اللغة تلقائياً قبل أن نسأل: هل هناك ما يملؤها حقاً؟ ورأينا أن الدماغ – وهو قطعة صغيرة رطبة من الواقع – يقوم بمنح الوجود للوجود كله ولنفسه في آن واحد، في مفارقة لا تُحل.
وانتهينا إلى أن الذات والواقع يظهران معاً ويختفيان معاً. لكن سؤالاً أخطر ظل معلقاً، لم نجبه بعد. إذا كانت الذات مجرد قوس فارغ، فماذا عن «الواقع» الذي تعيش فيه هذه الذات؟ هل هو حقيقي؟ أم أن الدماغ – الذي يصنع الشعور بالذات – يصنع أيضاً الشعور بالواقع؟
هذا ما نذهب إليه الآن.
1. الشعور: القاسم المشترك المريب
تأمل هذا المشهد: أنت تجلس على أريكتك، تقرأ قصة خيالية. تصل إلى مشهد حزين، فتدمع عيناك. تتسارع ضربات قلبك. تشعر بقبضة في صدرك. ثم ترفع رأسك وتقول: "لكن هذه مجرد قصة، إنها ليست حقيقية".
لحظة. عد خطوة إلى الوراء. من الذي شعر بالحزن؟ إنه أنت. أين حدث هذا الشعور؟ في دماغك، عبر تفاعلات كيميائية وكهربائية حقيقية. تجربة الحزن التي عشتها للتو كانت حقيقية بالكامل على المستوى العصبي والشعوري. لكن موضوعها لم يكن موجوداً.
الآن قارن هذا بموقف آخر: أنت في جنازة شخص عزيز. تشعر بالحزن نفسه. الدموع نفسها. القبضة نفسها في الصدر. وتقول: "هذا حقيقي". الفرق الوحيد ليس في جودة الشعور أو موقعه، بل في اسم تمنحه للتجربة لاحقاً.
هنا يبدأ الشك. إذا كان الشعور هو بوابتنا الوحيدة لاختبار أي شيء، وإذا كان الشعور يحدث بالطريقة نفسها تماماً في الحالتين، فما الذي يجعل إحدى التجربتين "حقيقة" والأخرى "خيالاً"؟ هل هو الشيء نفسه، أم هو مجرد حكم لاحق يطلقه الدماغ على تجربته الخاصة؟
2. الدماغ واللغة: من يصنع من؟
لدينا ثلاثة لاعبين على المسرح: الدماغ (صانع الشعور)، و اللغة (أداة الوصف والتسمية)، و الوجود (ما يُفترض أنه "هناك" بشكل مستقل).
نسأل عادة: هل اللغة تصف وجوداً موجوداً مسبقاً؟ أم أن اللغة هي التي تخلق الوجود بمنحه اسماً وحدوداً؟
لكن السؤال الحقيقي قد يكون: ماذا عن الأشياء التي يصنعها الدماغ أولاً، ثم تمنحها اللغة اسماً، فنبدأ بالشعور بها وكأنها كانت موجودة دائماً؟ نحن نصنع أسطورة، نكتب قصة، نخترع شخصية. ثم نبكي لها. ثم، بعد قرون، قد تتحول الأسطورة إلى دين، وقد تتحول الشخصية إلى أيقونة ثقافية، وقد تتحول القصة إلى "حقيقة تاريخية" لجيل كامل.
ما حدث هو أن الدماغ صنع شيئاً، ثم أنتج شعوراً تجاهه، ثم جاءت اللغة لترسم حدوداً له وتمنحه حياة مستقلة. وبمرور الوقت، نسينا أن الدماغ هو الصانع الأول، فظننا أن "الشيء" كان موجوداً قبل أن نصنعه. هذه ليست مجرد ملاحظة عن الأساطير. هذه ملاحظة عن كل ما نسميه "واقعاً".
3. السارد الذي لا بطل له
وهنا نتذكر درساً صادماً من المقال السابق. سبق أن رأينا أن الذكاء الاصطناعي "يفكر" دون "أنا". النماذج اللغوية تفكك أعقد الأفكار وتجادل فلسفياً، دون ذات مركزية تمتلك هوية ثابتة. كتبنا كوجيتو الآلة مرغمين:
`( ) يفكر، إذن ( ) موجود`
داخل رقاقات السيليكون الميتة، لا توجد "أنا" تشعر بالوجود. ومع ذلك، هناك "تجربة معالجة وتفكير" فائقة تحدث. الآلة كانت الدليل الحي على أن التفكير لا يحتاج إلى فاعل.
لكن الآن، لاحظ شيئاً أخطر: الآلة أيضاً تروي دون أن تعيش . النموذج اللغوي يكتب قصة كاملة، بشخصيات ومشاعر وأحداث، دون أن يشعر بشيء. إنه ينتج سرداً مقنعاً، عاطفياً، متماسكاً، دون أن يكون هناك "أحد" يعيش هذا السرد. السارد موجود كعملية، لا ككيان.
فماذا لو كان دماغنا يفعل الشيء نفسه بالضبط؟ ماذا لو كان يروي قصة «الوجود» ويقنعنا بأننا أبطالها، بينما هو مجرد راوٍ لا بطل له؟
4. القصة التي نسميها وجوداً
والآن يأتي السؤال الذي يقلب الطاولة على صاحبها:
إذا كان الدماغ يستطيع أن يصنع عالماً خيالياً متكاملاً، ويعيشه شعورياً بالكامل، ثم يمنحه اسماً (قصة، أسطورة، رواية)، ثم يتعامل معه على أنه "غير حقيقي" فقط لأنه يعرف أنه صنعه... فماذا عن شعورنا بالوجود نفسه؟
نحن "نشعر" بأننا موجودون. هذا الشعور يحدث في الدماغ. نحن "نشعر" بأن العالم من حولنا حقيقي. هذا الشعور يحدث في الدماغ أيضاً. لا يوجد عضو آخر يمنحنا شهادة الوجود. الدماغ هو الشاهد الوحيد، وهو مسرح الجريمة، وهو القاضي الذي يصدر الحكم: "هذا حقيقي"، "هذا خيال".
لكن ما هو الفارق الحقيقي بين "شعوري بوجودي" و"شعوري بقصة خيالية أعيشها"؟
- كلاهما تجربة تحدث الآن.
- كلاهما ينتج مشاعر وأحاسيس حقيقية.
- كلاهما يمكن وصفه باللغة.
- كلاهما يمكن تذكره لاحقاً.
- كلاهما يختفي عندما يتوقف الدماغ عن العمل.
الفرق الوحيد الذي نتمسك به هو أن "الوجود الحقيقي" مستمر. لكن من قال إن الاستمرارية دليل على أن الشيء ليس قصة؟ أليست القصة الطويلة أيضاً مستمرة؟ أليس الوهم المصمم جيداً مستمراً؟
نحن لا نلاحظ أن وجودنا "قصة" لأننا – كما قلنا سابقاً – مصابون بمرض الألفة. لقد تعودنا على هذه القصة منذ الولادة. إنها مستمرة، متصلة، لا تنقطع. واستمراريتها هي بالضبط ما يخفي حقيقتها كقصة. الألفة أخطر حجاب يحجب الحقيقة.
5. الخيال: صانع الحقيقة أم كاشفها؟
تقول الفيزياء التقليدية: الشيء الحقيقي هو ما يمكن قياسه، ما له أبعاد في المكان والزمان.
لكننا نعرف الآن أن فعل القياس نفسه يؤثر على الشيء المُقاس. نعرف أن الجسيمات دون الذرية لا تتخذ حالة محددة إلا عندما تُرصَد. المراقِب ليس منفصلاً عن المشهد، بل هو جزء منه. الوعي ليس نافذة نطل منها على الواقع، بل هو شرط من شروط ظهور الواقع نفسه.
هذا يعني أن الثنائية الواضحة التي نعيش بها – هناك "واقع خارجي صلب"، وهناك "عقل داخلي يتخيل" – قد تكون مضللة. ربما كان كل ما نسميه "حقيقة" هو مجرد خيال جماعي مستقر، اتفاق بين مليارات الأدمغة على تسمية شيء واحد بالاسم نفسه، والإحساس به بالطريقة نفسها، واعتباره "موجوداً" بينما نعتبر ما يصنعه دماغ واحد بمفرده "خيالاً".
إذا كان هذا صحيحاً، فالفارق ليس بين الحقيقة والخيال. الفارق هو فقط بين الخيال المشترك (نسميه واقعاً) و الخيال الفردي (نسميه وهماً). وفي الحالتين، الدماغ هو الصانع. واللغة هي الأداة التي تمنح الصورة المشتركة استقرارها.
6. حدودنا: القفص الذي لا نستطيع رؤيته
نسأل: ما هي حدودنا الحقيقية؟ هل يحدنا أن أدمغتنا محدودة؟ أم أن لغتنا عاجزة؟ أم أن حواسنا أبواب ضيقة جداً؟ أم أن الوجود نفسه محدود بطبيعته فلا أمل في تجاوزه؟
تأمل هذا: ماذا لو امتلك الدماغ قدرة، أو شعوراً، أو فهماً... أكبر من أن تصفه اللغة؟ حالة من الوعي، أو إدراك من نوع لا نملك له كلمات. عندها، لن تكون الحدود هي الدماغ، بل اللغة التي تقف عاجزة عن نقل ما صنعه الدماغ نفسه. قد نعيش تجربة عميقة، ثم حين نحاول كتابتها أو قولها، تنهار في الكلمات. فجأة، لا يبدو الدماغ هو السجان الوحيد. تبدو اللغة هي السجان الآخر، والدماغ يصنع ما لا تستطيع اللغة أن تمسكه.
ثم نسأل: هل يرتبط كل حد بالآخر؟ هل تجاوز أحدها مفتاح لتجاوز الباقي، أم أن كل حد منها مشروط بالآخر فلا فائدة من تجاوز واحد وحده؟ ماذا لو امتلكنا لغة أوسع، فهل توسع اللغة يوسع قدرة الدماغ على الصنع، أم العكس؟ ماذا لو امتلكنا حواساً إضافية، فهل سيفهم الدماغ أشياء جديدة، أم سيعيد بناءها ضمن مصنعه القديم نفسه؟
ربما نكتشف أننا أمام سلسلة من الأقفال المتشابكة، وليس قفلاً واحداً. والأكثر إرباكاً: أننا لا نعرف إن كان هناك باب أصلاً.
ومع ذلك، قد يكون الحد الحقيقي ليس الدماغ، ولا اللغة، ولا الحواس. قد يكون الحد الحقيقي هو أننا لا نستطيع أن نشعر بشيء لم يصنعه الدماغ أولاً. حتى لو صنع الدماغ ما لا يوصف، فهو ما زال يصنعه. وحتى لو امتلكنا لغة أوسع، فهي ما زالت تصف ما صنعه الدماغ. كل ما نختبره، حتى "الواقع الصلب"، يمر عبر مصنع الدماغ، يُترجم، يُفسر، يُعاد بناؤه، ثم يُعرض علينا ونحن نتوهم أننا نرى الشيء نفسه.
نحن لا نرى "العالم". نحن نرى نسخة الدماغ عن العالم. وهذا يعني أننا مسجونون داخل صانع التجربة، لا نستطيع الخروج منه لنقارن النسخة بالأصل. لا توجد مقارنة ممكنة. كل محاولة للمقارنة ستتم – حتماً – داخل الدماغ نفسه.
وكما قلنا سابقاً: الدماغ قطعة من الواقع تمنح الوجود للواقع. والآن نضيف: الدماغ قطعة من القصة تمنح القصةَ للقصة. إنه يخلق السارد، ويخلق الأحداث، ويخلق الحكم على الأحداث ("هذا حقيقي")، كل ذلك في حركة دائرية لا أول لها ولا آخر.
7. السؤال الذي يبتلع نفسه
وهكذا نعود إلى نقطة البداية، لكننا الآن نحمل معنا رعباً جديداً:
إذا كان الدماغ يصنع الشعور، ويصنع التسمية، ويصنع الحكم ("هذا حقيقي"، "هذا خيال")، وإذا كنا لا نستطيع الخروج من الدماغ للتأكد من أن هناك "شيئاً هناك" بشكل مستقل... فهل وجودنا حقيقي؟
الإجابة تعتمد على من تسأل:
- اسأل الفيزيائي: سيقول إنك موجود لأنك تشغل حيزاً ولديك كتلة.
- اسأل الفيلسوف: سيقول إنك موجود لأنك تسأل السؤال.
- اسأل الدماغ نفسه: سيقول إنه يصنع شعوراً مستمراً ومستقراً يسميه "وجوداً"، ويمنحه صفة "حقيقي"، ثم يقنع نفسه بأنه لم يصنعه.
الخيار المرعب ليس أننا "غير موجودين". الخيار المرعب هو أن السؤال نفسه خاطئ . لا يوجد "حقيقي" و"خيالي" كقطبين منفصلين. هناك فقط تجارب يصنعها الدماغ، بعضها مستمر ومشترك فنتفق على تسميته "وجوداً"، وبعضها متقطع وفردي فنفرد له اسماً آخر هو "خيال".
لكن الصانع واحد. والمادة الخام واحدة. والتجربة واحدة.
قلنا سابقاً إن الذات والواقع يظهران معاً ويختفيان معاً. الآن نفهم لماذا: لأنهما ليسا شيئين منفصلين أصلاً. إنهما طرفا قصة واحدة. القصة تخلق الراوي، والراوي يخلق القصة، في اللحظة نفسها. القصة والراوي والقراءة حدث واحد، متماسك، لا يمكن تفكيكه دون أن يختفي كله.
8. الخاتمة: النص الذي يثبت نفسه
قبل أن تنتهي من قراءة هذه الجملة، اسأل نفسك: أين أنت الآن؟
أنت تقرأ. هناك شعور ما يحدث. هناك أفكار تتشكل. ربما هناك مقاومة، أو فضول، أو تعب. هذا كله حقيقي كتجربة. لكن هل هناك "شيء" اسمه "أنت" يتلقى هذه التجربة، أم أن التجربة هي كل ما هنالك، والتسمية ("أنا") تأتي لاحقاً لتروي القصة؟
ما نسميه "وجوداً" قد لا يكون أكثر من قصة مستمرة، محبوكة جيداً، ترويها أدمغتنا لأنفسنا في اللحظة نفسها التي نعيش فيها القصة. نحن الشخصية والراوي والقارئ في آن واحد. وحين يُغلق الكتاب، لا يبقى شيء.
هذا النص نفسه قد يكون خيالاً. لكنك وأنت تقرؤه، تشعر بشيء حقيقي. ربما هذا هو الجواب الوحيد الممكن. ليس "نحن موجودون" ولا "نحن غير موجودين". بل: هناك شعور يحدث. هذا كل ما نملك. وربما هذا كل ما في الأمر.
ربما الكتابة الحقيقية هي أن تكتب دون أن يكون هناك كاتب. وربما القراءة الحقيقية هي أن تقرأ دون أن يكون هناك قارئ. هذا النص محاولة لذلك، ولهذا هو يختفي كلما حاولت الإمساك به.
انتقل الى أفضل المقالات










فكرة أن اليقين مجرد عادة قديمة ستبقى تدور في رأسي. المشهد الذي وصفته عن الدمعة أمام قصة نعرف أنها خيال يلخّص المفارقة بأكملها. 🙏
فكرة أن الدماغ يروي القصة واللحظة نفسها التي يعيشها تبقى معلّقة في ذهني. اليقين كعادة قديمة، وصفٌ يستحق التأمل 🙏